المقال الرابع · الاستحقاق وكسر دائرة الجراح
الاستحقاق… الظل الذي يخيّم على تكرار الجراح
٧ دقائق قراءة · بقلم ماريا سرحان

الخلاصة في ثلاث نقاط
- الاستحقاق لا يقتصر على معرفة قيمتكِ، بل ينعكس في قراراتكِ وحدودكِ.
- الحب وحده لا يجعل كل علاقة مناسبة للاستمرار.
- اختيار احترام احتياجاتكِ يمكن أن يكون بدايةً لكسر دائرة التكرار.
كيف تكسرين دائرة تكرار العلاقات المؤلمة وتكتبين نهايةً مختلفة لحكايتكِ؟
في المقالات السابقة من هذه السلسلة، خضنا رحلةً في أعماق النفس البشرية، نحاول فيها فهم الأسباب التي تجعلنا نكرّر تجاربنا العاطفية رغم تغيّر الأشخاص والظروف. تحدّثنا عن الانجذاب، وعن أثر تجاربنا السابقة في اختياراتنا، وعن أنماط التعلّق التي قد تجعلنا نعيد عيش الديناميكيات ذاتها في علاقاتٍ مختلفة.
ولكن يبقى سؤالنا الأعمق: لماذا، رغم فهمكِ لكلّ ما ذُكر، ما زال قلبكِ يتعلّق بمن لا يمنحونكِ الأمان؟ وكيف السبيل إلى كسر دائرة التكرار هذه نهائيًا، وخلق واقعٍ مختلف عن ماضيكِ؟
الإدراك الأعمق الذي سأفتتح كلامي به هو أن لا شيء سيتغيّر قبل أن تتغيّري أنتِ. فجوهر التكرار يكمن في شخصيّتكِ ومعتقداتكِ وأفعالكِ، التي لا تتغيّر لمجرّد تغيّر فكرةٍ ما أو فهم جذور سلوكٍ معيّن.
أنتِ التي تمنحين الفرص مرّةً تلو الأخرى، وتتنازلين عمّا تحتاجينه، وتقبلين من الآخرين ما تعلمين في قرارة نفسكِ أنكِ لا تريدينه. أنتِ التي ترين نفسكِ أقلّ استحقاقًا لكلّ ما تقدّمينه للآخرين بسهولةٍ ووفرة…
ليس الأمر فقط أنكِ تكرّرين تجاربكِ في العلاقات، وإنما أنكِ تسمحين باستمرار هذا التكرار، لأنكِ لا تغلقين صفحات الماضي المفتوحة، ولا تفهمين الحكمة من تجاربكِ السابقة، ولا تتعلّمين منها ما أنتِ بحاجةٍ إلى تعلّمه وفهمه حتى يتغيّر واقعكِ.
الاستحقاق ليس مجرّد معرفةٍ عقلية بقيمتكِ، ولا كلماتٍ تردّدينها أمام المرآة لتقنعي نفسكِ بأنكِ جديرةٌ بالحب والاحترام، وإنما إيمانٌ داخلي ينعكس على الطريقة التي تسمحين للآخرين بمعاملتكِ بها، وعلى القرارات التي تتّخذينها حين تتعارض رغبتكِ في الاحتفاظ بالعلاقة مع حاجتكِ إلى احترام نفسكِ.
قد تعرفين أنكِ تستحقّين علاقةً آمنة، وشريكًا يحترمكِ ويقدّر احتياجاتكِ، ولكنكِ حين تجدين نفسكِ في علاقةٍ تُجرحين فيها باستمرار، تبدئين بالتفاوض على أبسط حقوقكِ العاطفية.
لأن العلاقة في عينيكِ قد تكون أهمّ ممّا تستحقّينه، ولأن احترامكِ لذاتكِ لا يتربّع على عرش أولوياتكِ، تخشين قول «لا» أو التخلّي عمّا يقلّل من استحقاقكِ. وهكذا، مع كلّ تنازلٍ جديد، قد تبتعدين خطوةً إضافية عمّا كنتِ تؤمنين أنكِ تستحقّينه.
قانون المرآة في العلاقات
إن علاقاتكِ هي انعكاسٌ لما يحمله عقلكِ اللاواعي من معتقداتٍ عن نفسكِ؛ فحين يكون استحقاقكِ منخفضًا ونمط تعلّقكِ غير آمن، ستجدين نفسكِ تعيدين عيش الأنماط العاطفية ذاتها.
وكأنّ عقلكِ يعيد استحضار تجارب الماضي ومشاعرها العالقة، فتنجذبين إلى ما اعتدتِ عليه، أو تستمرّين في علاقاتٍ تعيد إليكِ مشاعر سبق أن اختبرتِها. وهكذا، قد تعكس الديناميكيات التي تتكرّر في علاقاتكِ شيئًا من الصورة التي تحملينها عن نفسكِ، ومن المعاملة التي اعتدتِ قبولها.
وأنا بدوري لا أطرح هذه الفكرة بهدف إلقاء اللوم عليكِ، وإنما بهدف توسيع إدراككِ لمسؤوليتكِ عن اختياراتكِ، وهو ذاته ما سيمنحكِ فرصة التغيير.
تأمّلي مثلًا كيف أن بعض الأشخاص ذوي السمات النرجسية يحملون صورةً معظّمة عن أنفسهم، ويتصرّفون على أساس أنهم يستحقّون مكانةً استثنائية ومعاملةً مميّزة، حتى إن كثيرًا من المحيطين بهم قد يبدأون بالتكيّف مع توقّعاتهم ومنحهم تلك المكانة.
فإذا كان بعض الأشخاص ينجحون في ترسيخ صورتهم المعظّمة في أعين الآخرين، تخيّلي كيف يمكن أن تتغيّر علاقاتكِ حين تبدئين أنتِ برؤية قيمتكِ الحقيقية، والاعتزاز بنفسكِ، ورفع معاييركِ، والالتزام بحدودكِ.
ليس لأن الجميع سيعاملونكِ بالضرورة كما ترين نفسكِ، وإنما لأنكِ لن تعودي تقبلين معاملةً لا ترتقي إلى ما تؤمنين أنكِ تستحقّينه.
ومع التزامكِ بعهدكِ مع نفسكِ، ستتغيّر تدريجيًا دائرة العلاقات المحيطة بكِ، لتضمّ الأشخاص الذين تختارينهم أنتِ، وتخلقي عالمًا جديدًا من العلاقات المبنيّة على الاحترام المتبادل، حيث تتلقّين المعاملة التي تستحقّينها.
لكن المفارقة في واقعكِ لا تكمن بكونك لا تعرفين أن هناك علاقاتٍ أفضل، وإنما في أنكِ لا تؤمنين تمامًا بأن علاقةً كهذه ممكنةٌ لكِ.
وهكذا يصبح الخوف من خسارة العلاقة أقوى من رغبتكِ في الحصول على علاقةٍ تليق بكِ؛ لأن قيمة العلاقة بالنسبة لكِ أصبحت أكبر من قيمتكِ أنتِ في عيني نفسكِ.
كسر دائرة التكرار يبدأ بقرار
قد تظنّين أن كسر دائرة العلاقات المؤلمة يتحقّق حين تلتقين أخيرًا بالشخص المناسب؛ شخصٍ يحبّكِ كما تريدين، ويقدّركِ كما تستحقّين، ولا يضعكِ أمام الخيارات المؤلمة التي اعتدتِ مواجهتها.
ولكن ماذا لو لم يكن التغيير الحقيقي في الشخص الذي سيأتي، وإنما في القرار الذي ستتّخذينه أنتِ؟
ماذا لو كان التغيير في طريقة تعاملكِ أنتِ مع نفسكِ؟
فالتغيير كامنٌ في الطريقة التي ترين نفسكِ بها، وفي الحدود التي تلتزمين بها، وفي العهود التي تقطعينها مع نفسكِ دون أن تكسريها، وفي احترامكِ لنفسكِ الذي لا يتزعزع مع تقلّب العلاقات والأقدار.
الاستحقاق يعني اعتزازكِ بنفسكِ حتى لو ناقض قلبكِ القرار.
يعني أنكِ أنتِ الشخصيّة الرئيسيّة في حياتكِ، ولا أحد يفوقكِ مكانةً فيها. يعني أنكِ لن تتنازلي عن حدودكِ واحترامكِ لنفسكِ في سبيل أيٍّ كان، ولو كان قلبكِ متعلّقًا بمن لم يفِ بعهوده أمامكِ.
قد تختارين الخروج وأنتِ ما زلتِ تحبّين… ما زلتِ تخافين الفقد، وما زال جزءٌ منكِ يتمنّى لو أن الأمور كانت مختلفة.
قد تتألّمين، وتشتاقين، وتتساءلين عمّا إذا كنتِ قد اتّخذتِ القرار الصحيح، وقد تراودكِ الرغبة في العودة إلى ما اعتدتِ عليه، حتى وإن كنتِ تعلمين أنه لم يكن يمنحكِ ما تحتاجينه.
ولكنكِ تصلين إلى إدراكٍ جديد: أن وجود الحب لا يجعل كلّ علاقةٍ مناسبةً للاستمرار، وأن الخوف من الفقد لا ينبغي أن يكون السبب الذي تتخلّين لأجله عن نفسكِ.
وقد تكون هذه اللحظة بداية تحوّلٍ أعمق في استحقاقكِ؛ حين تتصرّفين للمرّة الأولى انطلاقًا ممّا تؤمنين أنكِ جديرةٌ به، بدلًا من التصرّف انطلاقًا ممّا تخشين خسارته.
فالاستحقاق لا ينمو فقط حين تغيّرين أفكاركِ عن نفسكِ، وإنما أيضًا حين تبدئين باتّخاذ قراراتٍ تنسجم مع القيمة التي تريدين أن تعترفي بها لنفسكِ.
وحين تختارين ألّا تستمرّي فيما يؤذيكِ، قد تمنحين نفسكِ تجربةً جديدة تعاكس المعتقد القديم: أن بإمكانكِ حماية نفسكِ، وأنكِ قادرةٌ على احتمال الفقد، وأن حياتكِ لا تنتهي بانتهاء علاقة.
وهنا قد تبدأ الدائرة القديمة بالتصدّع؛ لأنكِ لم تعودي تتصرّفين وفقًا للمعتقد ذاته الذي كان يدفعكِ إلى البقاء.
فبدلًا من أن يكون خوفكِ من عدم استحقاق الحب سببًا في قبولكِ بما يؤلمكِ، يصبح اختياركِ احترام احتياجاتكِ فرصةً لبناء شعورٍ أعمق بالاستحقاق، ولفسح المجال أمام علاقةٍ يقابلكِ فيها الطرف الآخر بالاحترام ذاته الذي تمنحينه لنفسكِ، ويراكِ بالعين التي ترين بها قيمتكِ.
أن تختاري نهايةً مختلفة
هل يمكنكِ أن تغيّري ما اعتاده قلبكِ وما شببتِ عليه؟ أتقدرين على كسر دائرة العلاقات المحطّمة للقلوب، في حين تجذّرت ميولكِ واستجاباتكِ على مدى طويلٍ من الدهر؟ أتقدرين أن تشيبي على غير ما شببتِ عليه؟
نعم.
ربما لا يكون كسر دائرة التكرار في ألّا تلتقي مجدّدًا بشخصٍ لا يناسبكِ، وإنما في ألّا تختاري البقاء معه حين تدركين أن العلاقة تؤذيكِ، وفي أن تغادري وأنتِ موقنةٌ باستحقاقكِ لما هو أفضل، دون التشكيك في قيمتكِ.
قد لا تملكين دائمًا اختيار من يدخل حياتكِ، ولا ما تشعرين به تجاهه، ولكنكِ تستطيعين أن تتعلّمي كيف تختارين ما إذا كانت هذه العلاقة تستحقّ أن تستمر، وما إذا كان الشخص الذي تخلّى عنكِ يستحقّ أن تمنحيه المزيد من الاهتمام والمشاعر، وما إذا كان ماضيكِ سيحدّد مستقبل علاقاتكِ أم سيكون سببًا في تحسينه.
في اللحظة التي تدركين فيها استحقاقكِ وقيمتكِ وما تجلبينه أنتِ إلى العلاقة، حين يغدو اعتزازكِ بنفسكِ جوهر علاقاتكِ، وحين تغدين أنتِ بطلة حياتكِ والشخصيّة الرئيسيّة فيها دون التنازل عن مقعدكِ لأيٍّ كان، وحين يغدو كلّ شخصٍ إضافةً إلى عالمكِ لا مركزًا له، تصبحين أنتِ البطلة التي تمنح كلّ شيءٍ قيمته وفقًا لما تختارينه.
وهكذا، حين تكونين أنتِ القيمة الأعلى والأولى في حياتكِ، وتتعاملين مع نفسكِ بما يليق بهذه المكانة، فإنكِ تضعين معيارًا واضحًا لمن يدخل عالمكِ؛ فلا تعودين تمنحين مكانةً استثنائية لمن لا ترتقي أفعاله إليها، ولا تتنازلين عن العهد الذي قطعته مع نفسكِ مهما تعلّق قلبكِ.
لا تبدأ النهاية المختلفة حين يأتي شخصٌ يحبّكِ بطريقةٍ أفضل، وإنما حين تؤمنين أخيرًا أنكِ تستحقّين حبًّا أفضل، وتتوقّفين عن اختيار ما هو أقلّ ممّا تحتاجينه.
فكسر دائرة التكرار لا يبدأ بالعثور على شخصٍ مختلف، بل حين تصبحين أنتِ الشخص المختلف.
تريدين العمل على هذه الأنماط بشكل شخصي؟ تعرّفي على مَلاذ